بمناسبة يوم العمال العالمي لعام 2026، يتقدم مركز الديمقراطية وحقوق العاملين في فلسطين بتحياته التضامنية الرفاقية إلى العمال في جميع أنحاء العالم، وإلى أخواته وإخوته في الحركة العمالية وجميع القوى التقدمية، ولا سيما أولئك الأكثر تضررًا من حروب العدوان الإمبريالية والسياسات قصيرة النظر الخارجة عن القانون والمدفوعة بالجشع. وقد اتسعت دائرة المتضررين بصورة هائلة، في ظل استمرار تهجير العمال قسرًا، وسلب مصادر رزقهم وحرمانهم من فرصة كسب عيش كريم، ليس في فلسطين ولبنان فحسب، بل في جميع المناطق والقارات. وفي الوقت ذاته، تتعرض الحقوق والحريات الأساسية في كل مكان للهجوم، وسط تجاهل تام لأبسط أحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، التي ينبغي أن تحمينا جميعًا. وفي هذا اليوم، نجدد تعهدنا بمواصلة النضال من أجل الديمقراطية والسلام والعدالة والعمل اللائق للجميع، والعمل يدًا بيد مع النقابات والمنظمات الشريكة والأصدقاء في كل مكان.
في فلسطين، حوّلت سياسات الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته والعنف الممنهج اليومي محاولات العمال لإعمال حقهم في العمل إلى معركة يومية من أجل البقاء. ولا يزال عمال قطاع غزة ينتظرون بدء تدابير وبرامج التعافي المبكر، في ظل معدل دمار إجمالي تجاوز 80% من مجمل البنية التحتية، بما في ذلك المنشآت الاقتصادية وأماكن العمل. أما في الضفة الغربية، فلم تعد الأزمة الممتدة تقتصر على البطالة الواسعة النطاق، بل أصبحت تتسم بتزايد القيود المفروضة على الوصول إلى العمل، وبمزيد من تآكل الأجور.
تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى عمق الأزمة الممتدة التي يواجهها سوق العمل الفلسطيني. فقد فُقدت 74% من فرص العمل التي كانت قائمة في قطاع غزة قبل الحرب. وبلغ معدل البطالة الإجمالي في فلسطين المحتلة نحو 46% في عام 2025، بواقع 28% في الضفة الغربية و68% في قطاع غزة، فيما تجاوز عدد العاطلين عن العمل 650,000 شخص. وفي الضفة الغربية، واصلت سلطة الاحتلال الإسرائيلي فرض قيود مشددة على إصدار تصاريح العمل للعمال الفلسطينيين، إذ لم يتجاوز عدد العمال الفلسطينيين العاملين في سوق العمل الإسرائيلي حتى نهاية عام 2025 نحو 51,000 عامل، من بينهم 14,000 عامل يحملون تصاريح عمل، ما ترك عشرات الآلاف من العمال وأسرهم دون دخل.
وتتفاقم هذه الأزمة بصورة أكبر بين الفئات الأكثر هشاشة، إذ يواجه الشباب صعوبات كبيرة في دخول سوق العمل، مع ارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 43% في الضفة الغربية. كما لا تزال مشاركة النساء الفلسطينيات في سوق العمل من بين الأدنى في العالم، إذ تشارك نحو 19% من النساء في سن العمل في القوى العاملة، مقارنة بـ70% من الرجال، فيما تواصل الظروف الراهنة المتمثلة في انعدام الأمن وندرة فرص العمل تعريض وصولهن إلى العمل لمزيد من الخطر.
أدى احتجاز إسرائيل غير القانوني لإيرادات المقاصة التي ينبغي دفعها إلى السلطة الفلسطينية، والتي تشكل نحو 60% من إيرادات السلطة الفلسطينية وتقدر بحوالي 4.5 مليار دولار أمريكي، إلى اقتراب السلطة من حالة العجز المالي، وتراكم متأخرات الرواتب المستحقة لموظفيها. وفي أفضل الأحوال، يتقاضى الموظفون ما بين 50% و70% من رواتبهم الشهرية عندما يتسنى حشد بعض الأموال، كما جرى تجميد جميع التعيينات الجديدة منذ عام 2024. ويؤثر ذلك بصورة غير متناسبة على النساء والأشخاص ذوي الإعاقة، نظرًا إلى أن الخدمة المدنية العامة الفلسطينية تعد جهة تشغيل رئيسية لهم. ووفقًا للمؤشرات الصادرة عن سلطة النقد الفلسطينية، يعتمد العديد من الموظفين أيضًا على قروض سابقة. وبينما جرى تعديل أقساط سداد هذه القروض وإعادة جدولتها، فإنها تُقتطع مباشرة من رواتبهم الجزئية، ولا يتبقى لمعظم الموظفين سوى القليل لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
ومع التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية وغياب فرص العمل، يلجأ عدد متزايد من العمال إلى العمل غير المنظم في ظل غياب فرص عمل مستقرة. ويعمل 60% من المشتغلين في الضفة الغربية في العمالة غير المنظمة. ولا يزال نحو 15% من العاملين بأجر، وترتفع هذه النسبة بين العاملات، يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور البالغ 1,880 شيكلًا شهريًا، في وقت تواصل فيه الأسعار ارتفاعها، وأصبح العديد منهم غير قادرين على تحمل تكاليف المواصلات من أماكن العمل وإليها. إن التحديات التي يواجهها العمال الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي، بدءًا من تدمير المنشآت والمزارع، وتقييد الوصول إلى أماكن العمل، وفقدان فرص العمل، وتقلص الرواتب، وصولًا إلى توسع العمل غير المنظم وضعف الحماية القانونية، تشكل انتهاكًا مباشرًا لحقهم الأساسي في العمل اللائق. وفي هذا العام، اجتمعت العاملات والعمال والنقابيون والصحفيون في قطاع غزة للمطالبة بالحماية وفرص العمل، خلال فعالية مشتركة نظمها مركز الديمقراطية وحقوق العاملين ونقابة الصحفيين الفلسطينيين والنقابات العمالية. ونحن بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى تضامن ومناصرة دوليين أقوى من أجل إنهاء الإفلات من العقاب، وضمان الالتزام بالقانون الدولي، وتطوير سبل حماية حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق العمال بصورة خاصة. كما ندعو المجتمع الدولي إلى الوفاء بالتزاماته بموجب الاتفاقيات الدولية، ومحاسبة جميع من يرتكبون انتهاكات لميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان على أفعالهم، بصرف النظر عن هوية مرتكبيها.


No Comments yet!